عادل عبد الرحمن البدري
50
معالم الفكر السياسي ونظرية الدولة في الإسلام
إنّ شرّ وزرائك من كان للأشرار قبلك وزيراً ، ومن شركهم في الآثام فلايكونن لك بطانة ، فإنّهم أعوان الأثمة ، وإخوان الظلمة ، وأنت واجد منهم خير الخلف ممّن له مثل آرائهم ونفاذهم ، وليس عليه مثل آصارهم « 1 » وأوزارهم وآثامهم ، ممّن لم يعاون ظالماً على ظلمه ، ولا آثماً على إثمه . أولئك أخفّ عليك مؤونةً ، وأحسن لك معونة ، وأحنى عليك عطفاً ، وأقلّ لغيرك إلفاً ، فاتّخذ أولئك خاصّة لخلواتك وحفلاتك ، ثمّ ليكن آثرهم عندك أقولهم بمرّ الحقّ لك ، وأقلّهم مساعدةً فيما يكون منك مّما كره الله لأوليائه ، واقعاً ذلك من هواك حيث وقع . والصَق بأهل الورع والصدق ، ثمّ رضهم على ألّا يطروك ولايبجحوك بباطل لم تفعله ، فإنّ كثرة الإطراء تحدث الزهو ، وتُدني من العزّة . ولايكونن المحسن والمسيء عندك بمنزلة سواء ، فإنّ في ذلك تزهيداً لأهل الإحسان في الإحسان ، وتدريباً لأهل الإساءة ، على الإساءة والزم كلّا منهم ما ألزم نفسه . واعلم أنّه ليس شيء بأدعى إلى حسن ظنّ راع برعيّته من إحسانه إليهم ، وتخفيفه المؤونات عليهم ، وترك استكراهه إيّاهم على ما ليس له قبلهم ، فليكن منك في ذلك أمر يجتمع لك به حسن الظنّ برعيّتك ، فإنّ حسن الظنّ يقطع عنك نصباً « 2 » طويلا . وأنّ أحقّ من حسن ظنّك به لمن حسن بلاؤك عنده ، وأنّ أحقّ من ساء ظنّك به لمن ساء بلاؤك « 3 » عنده ، ولا تنقض سنّة صالحةً عمل بها صُدور هذه الامّة ، واجتمعت بها الألفة وصلحت عليها الرعيّة ، ولا تحدثنَّ سنّة تضرُّ بشيء من ماضي تلك السنن ، فيكون الأجر لمن سنّها ، والوزر عليك بما نقضت منها . وأكثر مدارسة العلماء ، ومناقشة الحكماء في تثبيت ما صلح عليه أمر بلادك وإقامة ما استقام به الناس قبلك . واعلم أنّ الرعيّة طبقات لا يصلح بعضها إلّا ببعض ، ولا غنى ببعضها عن بعض ، فمنها جنود الله ، ومنها كُتّاب العامّة والخاصّة ، ومنها قضاة العدل ومنها عمّال الإنصاف
--> ( 1 ) الآصار : الأثقال . اللسان ( أصر ) . ( 2 ) النصب : الإعياء والعناء . اللسان ( نصب ) . ( 3 ) البلاء : الاختبار بالخير والشرّ . اللسان ( بلا ) .